فوزي آل سيف
89
أعلام من الأسرة النبوية
لها ــ مثلًا ــ: (ستموتين ولن تري أبناءك)، وإذا كان عنده أموال لها فيذيقها شتى صنوف العذاب والأذى والتعب حتى يرجعها إليها، ويلطخ سمعتها بالتراب!! وقد تفعل المرأة ذلك، فتنتقم، وتلطخ سمعة من كان زوجها وطلّقها. وقد يذهب الرجل لكي يتزوّج من جديد، فيقولون له: انت كذا وكذا بحسب ما قالت زوجتك، أو بالعكس تُخطب المرأة ــ مثلًا ــ فيقول: لا إنها كذا وكذا، حتى يصل الأمر في بعض الأحيان إلى الاتهام الباطل في العرض والشرف، وهنا يتبيّن تديّن الإنسان من عدمه، فليس مقياس التديّن الركعتين يصليهما، او المجلس الديني الذي يحضره، او الزيارة للمراقد المقدسة التي يقوم بها، هذه ليست المقاييس، المقياس الأكبر هو ما اشتهر من أن: الدين المعاملة. هنا يكون هذا الرجل الذي ينشر سيئات المرأة ظالمًا، وتكون تلك المرأة التي تنشر سيئات الرجل ظالمة، وعلى كلّ منهما ألّا يفتري، ولا يبهت إنسانا بريئًا، وهنا يتبيّن الإيمان، لا تنظر للرجل كيف يصلي الجماعة، بل انظره كيف يتحدّث عن زوجته، لا ترَ المرأة كيف تمضي للزيارة، بل انظرها كيف تتحدّث عن زوجها، هنا يتبيّن مقياس الإيمان والتديّن عندهما. يقول القرآن الكريم: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}([232])، لماذا لم يقل: (أو تسريح بمعروف)، بل قال: {أو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}؟! المعروف يعني المتعارف والعدالة، مثل أن يكون شخص قد أدانك ألف ريـال، فترجعها له ألفاً، هذا معروف، أما الإحسان فأن يدينك ألفًا، وأنت ترجع له ذلك من طوع نفسك[233] فوقها هدية من الهدايا، ويقترض منك ألف ريـال، فتقول له: أرجع لي تسع مئة فقط. بين الزوجين عندما يكون التسريح فليكن هناك (إحسان)، وليس (معروفًا) فقط. عندما تُرجِع إليها كلّ حقوقها، وهي تُرجِع إليك كلّ حقوقك، فهذا من (المعروف) وقد ورد هذا بمقدار الواجب واللازم (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ)[234]، لكنّ الإحسان أن يتفضّل عليها بالزيادة، فمثلًا يقول لها: إن كان الدخول قد حصل، وأخذتِ المهر، فتفضلي فوق المهر هذا مبلغ إضافي من المال، ويعطيها ألفي ريـال أو أكثر. أو تقول المرأة ــ مثلًا ــ للزوج: ما دامت الحضانة ستكون عندي في السنتين الأوليين للمولود، فيمكنك أن تأتي لرؤية ولدك مرة أو مرتين في الأسبوع، وهذا متعارف، ويدخل في نطاق (المعروف)، ولكنّ (الإحسان) أن تقول له: في أيّ وقت أحببت أن تأتي فتعال، وتفضّل على الرحب والسعة. الإحسان ألّا يقول الرجل عن طليقته: (إن شاء الله بعدي لا ترى رجلًا إلى أن تهلك وتموت!!)، أو تقول المرأة: (الله لا يوفقك إن شاء الله، ولا ترى امرأة بعدي!!). من الإحسان أن يذهب زيد لزينب، وأن يقول لها: أبشري يا زينب؛ فقد جلبتُ لك البشارة، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله يخطبك لنفسه، [235]وفعلًا هذه بشارة عظيمة، فقالت زينب: عرفتُ المعنى من الآية السابقة: (وَمَا
--> 232 ) سورة البقرة/ 229. 233 ) من دون اشتراط حتى لا يكون ربا. 234 ) البقرة / 231 235 ) كان عمرها حين خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله حدود ستة وثلاثين سنة (خلافا لما ذكره العلامة الطباطبائي في الميزان 4/195 من أنه بنى بزينب بنت جحش وسنها يومئذ يربو على خمسين) وذلك أنها توفيت سنة عشرين للهجرة وعمرها ثلاثة وخمسين سنة، وكان فراقها لزيد في السنة الثالثة للهجرة، فإذا نقصنا سبعة عشر سنة (مدة زواجها ) من عمرها يكون النبي قد تزوجها وهي في السادسة والثلاثين أو نحوها..